أربعاء   خميس   جمعة   سبت   أحد   اثنين   ثلاثاء   أربعاء   خميس   جمعة   سبت   أحد   اثنين   ثلاثاء   أربعاء   خميس   جمعة   سبت   أحد   اثنين   ثلاثاء   أربعاء   خميس   جمعة   سبت   أحد   اثنين   ثلاثاء   أربعاء   خميس  
١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ ١٥ ١٦ ١٧ ١٨ ١٩ ٢٠ ٢١ ٢٢ ٢٣ ٢٤ ٢٥ ٢٦ ٢٧ ٢٨ ٢٩ ٣٠

مزارُ سيّدةِ لبنان، هناك حيث تعانقُ السماءُ الأرضَ، وتضعُها بين أحضانِ مريمَ والدةِ الإله، هناك أشرقت أمُّنا مريم بنورِها على القلوبِ المظلمة، فحوّلت تلك البقعةَ الصغيرة ،حريصا، ملاذاً للتائبين، وعزاءً للمحزونين، وقبلةً لكلِّ ضالّ، ودليلَ هداية، وواحةَ صلاةٍ ترتاحُ فيها نفوسُ المتعبين.

إنّه صرحُ قداسةٍ يُجدِّدُ الضمائر؛ صوتُ صامتٍ يخرقُ أُذني النفس، ليستكينَ في روحِ الروح.

 

وصف حريصا

حريصا كلمةٌ فينيقيةٌ وعبريةٌ أيضاً، من جذرِ 'حرص'. أي الطرفُ الحاد أو الآلةُ الحادةُ القاطعة، كالسكين وسواها؛ وهكذا يكونُ معناها ظهرٌ حادٌ أو متنٌ حاد، وهذا وصفٌ لطبيعةِ االتلّةِ الواقعةِ عليها البلدةُ التي تدعى عند أبنائِها ب 'الرويس'. في حين أنّ بعض المؤرِّخين يؤكدون أن كلمةَ حريصا في اللغاتِ الساميةِ القديمة تعني الرويس في العربية، أي التلةُ المرتفعةُ المسننة.

تقعُ حريصا في محافظةِ جبلِ لبنان، وتتبعُ قضاءَ كسروان في منطقةِ جونيه الساحلية، على مقربةٍ من بكركي مقرِ البطريرك الماروني. ترتبطُ حدودُها عقارياً وبلدياً ببلدةِ درعون. تبلغُ مساحتُها ثلاثةً وخمسين هكتاراً، وترتفعُ عن سطحِ البحر ستَمايةٍ وخمسين متراً. تبعد عن العاصمة بيروت ستةً وعشرين كيلو متراً. تطلُّ مباشرةٍ على خليج جوني. تمتازُ بخضرتِها وكثرةِ أشجارِها ووفرةِ وصفاءِ ينابيعِها، إنّها كبوابةٍ لدخولِ الفردوس.

 

فكرة الإنشاء

في اليوبيل الخمسيني ل "عيد الحبل بلا دنس"، العقيدة التي أعلنَها قداسةُ البابا بيوس التاسع عام ألفٍ ووثمانِ ماية وأربعةٍ وخمسين، قرّرَ غبطةُ البطريرك الماروني الياس الحويّك والقاصدُ الرسولي المطران كارلوس دوفال- تخليداً لهذه المناسبة- إنشاءَ أثرٍ ديني.

فجاءت فكرةُ بناءِ تمثالٍ للعذراء- بحسبِ الأب هنري جلابير (Jalabert) اليسوعي- من قِبَلِ الأب لوسيان كاتّان (Cattin) رئيسِ اليسوعيّين في الشرقِ آنذاك، تمثالٍ كبيرٍ يمكنُ مشاهدتُه من مسافةٍ بعيدة، كي يبقى شاهداً على تعبّدِ اللبنانيّين لمريمَ وتعلّقِهم بها.

وبعد استشارةٍ قامَ بها البطريرك والقاصدُ الرسولي، لبعضِ الأساقفةِ والكهنةِ والرهبانِ والعلمانيّين، تقرّرَ إطلاقُ لقبِ "سيّدةِ لبنان" على المزارِ المزمعِ أنشاؤه.

 

الإنشاء

بعد بحثٍ وتفكيرٍ وأخذِ رأي جهابذةِ المهندسين، أُختيرَ موقعٌ يدعى "الصخرة" يقعُ على قمّةِ تلّةِ حريصا، ليكونَ مكان تشييدِ المزار. فعُقدت اجتماعاتٍ لتنظيمِ العمل، وبدأت لجانٌ بجمعِ المالِ لإتمامِ المشروع، فظهرت محبّةُ اللبنانيّين لمريم، وذلك بكرمِ تبرعاتِهم السخيّة.

وإثرَ مدٍّ وجزرٍ قَبِلَ مالكُ الأرضِ السيّدُ فرنسيس يعقوب يونس بيعِها للبطريريكيّة بمبلغٍ قَدَرُه خمسين ليرةً عثمانيّة.

وضُع حجرُ الأساس في تشرين الأوّل من عام ألفٍ وتسعُمايةٍ وأربعة، فبدأ العملُ بإنجازِ إنشاءاتٍ أوّليةٍ ضرورية، لكنّه توقّف، لعدّةِ أسبابٍ وعوائق، أهمُّها تخوّف من عدم تحمّلِ الأرض لبناءٍ عالٍ كالمقرّر إنجازُه.

في عام ألفٍ وتسعُمايةٍ وسبعةٍ، صمّمَ البطريركُ الحويّك والقاصدُ الرسولي الجديد المونسنيور فريديانو جيانيني (Giannini)، على معاودةِ العملِ بقوّةٍ وسرعة، مع تعديلٍ في المشروع، رغبةً في توسيعِ ساحةِ المزارِ الغربيّة.

ولإتمامِ العمل بحسبِ الأصول، أبرمَ البطريرك عام ألفٍ وتسعُمايةٍ وستةٍ صكَّ المقاولة، كطرفٍ أوّلٍ مع المعلّمِ القديرِ إبراهيم مخلوف (من عين الريحانة) كطرفِ ثانِ، يُكلَّفُ بموجبِه الأخيرث بتنفيذِ المشروع؛ وبناءً عليه تمّ بناءُ المعبد وقاعدة التمثال عام ألفٍ وتسعُمايةٍ وسبعةٍ.

وجديرُ بالذكر، أنّ الأبَ شكر الله خوري رئيسَ المرسلين اللبنانيّين الموارنة، كان منذ البدايةِ يدُ البطريرك اليمنى، بإدارةِ المشروع وتنفيذِه، وقد خَلَفَه في مهامهِ وفي ورئاسةِ المرسلين، بعد انتخابِه مطرانناً على أبرشية صيدا، الأب ُيوسف مبارك.

استطاع البطريرك –بمساعدة- القاصدةِ الرسولية، بخاصّة الأب بيره (Pere) أمينِ سرِّ القاصدةِ الرسوليّة، والأبِ كاتّان رئيسِ اليسوعيّين، تجاوزَ الأزمةِ المالية- نظراً إلى ضخامةِ المشروع وكلفتِه العالية-، وذلك من خلال توجيهِه رسالةٍ إلى الأوقافِ المارونيةِ والمعاهدِ الخيرية، يأمرُهم فيها بدفعِ ما يُفرضُ عليهم من مبالغَ مبيّنةٍ على لائحةٍ وضعَها هو نفسُه. وقد قامَ الأبُ شكر الله خوري بمهمّةِ جمعِ المال.

وصلت تكلفةُ بناءِ المعبد وتشييدِ التمثال، قرابةَ خمسين ألفَ فرنكاً ذهبيّاً، جُمعت معظمُها من تبرعاتِ المؤمنين، ومن هبّةِ سيّدةٍ فرنسيةٍ تبرّعت بستةِ عشرةَ ألفَ فرنكاً، طلبت أن يبقى أسمُها مجهولاً. أمّا أرضُ المزار فقد قدّماها مناصفةً البطريرك الماروني والقاصدُ الرسولي.

ويُذكر أنّه تمَّ نقلُ رفاة المطران دوفال من بيروتَ إلى معبدةِ سيّدةِ لبنان عملاً بوصيّتِه. وحفظت رخامةٌ على الحائطِ الغربي للمعبدِ كُتبِ عليها باللاتينيّةِ تذكارُ الحدث، تقديراً لمحبّةِ دفال للعذراء وشغفِه بمزارِها في لبنان.

 

التدشين

لنصب تمثالٍ بهذا الحجم والنوع، كان لا بدَّ من الحصولِ على فرمانٍ، أي مرسوم سلطاني، يتضمّنُ موافقةَ السلطاتِ العثمانيّة –الحاكمةِ حينها- . أرسلَ متصرّفُ لبنانَ مظفَّر باشا برقيّةً يطلبُ فيها موافقةَ اسطنبول على نصبِ التمثال، فكان الذهول، بل المعجزة، حين وصلَ الردُّ بالموافقةِ بعد خمسِ ساعاتٍ فقط.

في أوائل عام ألفٍ وتسعُمايةٍ وثمانية أُنجزَ المعبدُ وقاعدةُ التمثال تحت إشراف الأب شكر الله خوري المكلّفِ رسميّاً من البطريرك. وبعد فترةٍ قصيرةٍ تمّ نصبُ تمثالِ إمِّنا العذراء، فكان التدشينُ في الثالث من أيار من العام عينه، الموافق الأحد الأوّل من الشهر.

وعند العاشرةِ صباحاً، بدأ المونسنيور جيانيني حفلَ التدشين بالصلوات، فبارك المعبدَ والتمثال، شاكراً اللهَ على إتمامِ هذا العمل الذي يُغذّي الإيمانَ المستقيمَ وينمّيه. وكان قد أطلعَ برسالةٍ قداسةَ البابا بيوس العاشر حول حفلِ التكريس، طالباً بركتَه الرسوليةِ لكلِّ من ساهمَ بإنجازِ هذا البناء، ولكلِّ من سيحضرُ التدشين.

حضرَ الحفلَ شخصيّاتٌ كبيرة، منها، بربر بَك الخازن أميرالاي الجند اللبناني ممثلاً يوسف فرنكو باشا متصرّفَ جبل لبنان، وسعادةُ حبيب بك البيطار قائُمقام قضاءِ كسروان، وجموعٌ غفيرةٌ من المؤمنين والزائرين، اكتظّت بهم الساحاتُ والأمكنةُ المجاورة.

 بعدَ حفلِ التدشين أحتفلَ البطريرك الحويّك بذبيحةِ القدّاسِ يعاونُه جمعٌ من الأساقفةِ ورؤساءٌ عامّون وممثلو جميعِ الرهبانيّاتِ الشرقيّةِ والغربيّة وكهنةٌ عديدون.

ألقى البطريرك خلالَ القدّاس عظةً بليغةً مشيداً محبّة اللبنانيّين وإكرامهم للعذراء، وطالباً حمايتها وشفاعتها التي لا تخيب.

وعند نهايةِ القدّاس ، طافَ البطريرك بزيّاحٍ مهيبٍ حول المعبدِ بإيقونةِ العذراء الفائقةِ القداسة، وأعلنَ الأحدَ الأوّل من شهرِ أيار عيداً سنويّاً لسيّدةِ لبنان.

 

مسؤولية خدمة المزار

بعد حفلِ التدشين والقدّاس سلّمَ البطريرك الماروني والقاصدُ الرسولي –بناءً على ما نصَّ عليه البندُ الرابعُ من صكِّ الاتّفاقيةِ السجّلةِ في بكركي بتاريخ الثامن عشر من كانون الثاني من عام ألفٍ وتسعُمايةٍ وسبعة- خدمةَ المزارِ وإدارتَه رسميّاً إلى جمعيّةِ المرسلين اللبنانيّين. تمّ ذلك التسليمُ في دار القصادةِ الرسوليّةِ في حريصا (السفارة البابوية)، إلى الأب يوسف مبارك الرئيسِ العام وقتئذٍ.

قامت الجمعيةُ تدريجياً بشراءِ عقاراتٍ جديدةٍ أنشأت عليها مرافقَ لخدمةِ المصلّين والزائرين، حتّى أوصلت المزارَ إلى ما هو علية، مزاراً يُقصدُ من جميعِ جهاتِ العالم.

 

مواصفات المزار

يتألَّفُ البناءُ من معبد يُكلِّلُه تمثالٌ كبيرٌ لمريمَ والدةِ الإله وسيدّةِ الحبل بلا دنس. صممَ هندسةَ المعبد -قبل نصبِ التمثالِ عليه- المهندسُ الفرنسي القديرُ جيّو (Gio)، وهو كنايةٌ عن كنيسةٍ صغيرةٍ بطولِ ثمانيةِ أمتار في مثلها عرضاً، تتسعُ لحوالى مائةٍ وخمسين شخصاً.

 يحتوي المعبد على مذبحٍ حجريٍ مربعِ الشكل، بقربِه تمثالُ العذراء أمِّ النور مصنوعٌ من خشبَ الأرز (وهو ذاتُ التمثالِ الذي طافَ لبنانَ بكلِّ مدنِه وقراهُ عام ألفٍ وتسعُمايةٍ وأربعةٍ وخمسين). وعلى بيتِ قربانٍ حُفرت عليه أرزةٌ يتوسُّطها صليبٌ فوقَ عناقيد عنب، في حين تزيَّنت زجاجيّاتُ الشبابيك برموزِ القربانِ المقدّس، كالعنبِ والسنابل.

أمّا تمثالُ سيّدةِ لبنان فقد صُنع في واحدٍ من معامل مدينةِ ليون الفرنسية، من مادّةِ البرونز المسكوب، تحت إشراف السيّد دوران (Durenne) الذي أوصلَه إلى مرفأ لبنان أواخرِ تموز عام ألفٍ وتسعُمايةٍ وستة.

طولُه ثمانيةُ أمتار ونصف، قطرُه خمسةُ أمتار، ووزنُه خمسةُ عشرَ طنّاً؛ يتألّفُ من سبعِ قطع، طلي باللونِ الأبيض ليزدادَ تألّقاً وبهاءً.

بُنيت قاعدتُه على شكلِ جذعٍ مخروطي من الحجرِ الطبيعي، بعلوِ عشرين متراً. يبلغ محيطُه السفلي أربعةً وستين متراً، والعلوي إثنا عشرمتراً. ولبلوغ قمته، أي عند قدمي تمثالِ العذراء، بُني درجٌ لولبيٌ من مائةٍ وأربعِ درجات. (ولدينا رسمٌ للتمثالِ وقاعدتِه، محفوظٌ في البازيليك، بريشةِ الشهير داوود قرم).

 

نأمل من جميع المؤمنين المساهمة معنا في ترميم البازيليك، الذي يتطلب مدة سنتين من العمل المتواصل. المساهمة تكون إما مالية وإما عينية (مواد بناء وغيره)