









































عظة الأب يونان عبيد م.ل.
أحد العنصرة
على مدى خمسين يوماً، أي منذ القيامة حتى العنصرة، كنا نردّد الشعار المعروف والمألوف:"المسيح قام حقًا قام".
هذه الصرخة الايمانية تختصر بحد ذاتها جوهر الديانة المسيحية، إذ ان قيامة المسيح من بين الأموات هي الحدث المحور الذي به ومنه يتفجّر كل جديد خلاصًا وحياة. وما العنصرة إلا تجلي هذا الحدث الدائم في تاريخ البشرية.
وإذا كانت القيامة هي الحدث، فالعنصرة هي الملء الفائض عنها. انها النتيجة الحتمية لتجسد كلمة الله الآب: فالكلمة ولِدَت في بيت لحم لتولد الكنيسة، بيت الخبز الجديد في العلية (مار افرام).
ولأن الروح كان حالاً على يسوع بملئه وبغير حساب (يو 3/34)، فصار باستطاعة هذا الروح بفضل القيامة، أن يحلَّ بملئه وفيض نعمه ومواهبه على الكنيسة جاعلاً إياها جسد المسيح الفصحي. عندها نرى الكنيسة تنطلق بدورها بقوة الروح الى جميع الأمم مبشّرة ومعلّمة ومعمّدة بكل ما أوصاها به سيدها. وهكذا فإن العنصرة هي عتبة الروح ونشأة الكنيسة. وتستمر العنصرة جيلاً بعد جيل فتحًا روحيًا هادفًا موجّهًا نحو مقره العلوي، كي يتجدد الوجود كله انطلاقًا من الكنيسة التي هي امتداد التجسد الالهي.
1. العنصرة في العهد القديم
إن عيد العنصرة، هو عيد حصاد القمح، وذكرى العهد في سيناء بين الله والشعب على يد موسى بعد خمسين يومًا من الخروج من مصر، وذكرى اعطاء التوراة. وهكذا فالعنصرة كعيد البواكير والتوراة، صارت تحتفل بحدث مزدوج هو: خصب الأرض وخصب طاعة الانسان. فهما مرتبطان ببعضهما، شرط أن يعيش الانسان في الأرض ويعمل بحسب البرّ، أي العهد. فنصل الى قول مأثور: قلب بار وثمر وافر وقد استمرّ ذلك الى أن أصبح عيد العنصرة ذكرى حلول الروح القدس، على التلاميذ الاثني عشر برفقة مريم في علية صهوين.
2. أبعاد العنصرة الجديدة
لم نعد أمام المفهوم القديم للعنصرة، بل أمام حلول شامل للروح الذي طالما انتظره الناس ، فكان من الطبيعي أن يكون للعنصرة ثلاثة أبعاد:
1) البعد المتعلق بسر المسيح: فالحاضرون الذين شهدوا لحدث حلول الروح القدس الموعود به وما فيه من "فيض" تمّ لمصلحة التلاميذ، ولا يمكن أن ينسب الاّ ليسوع الذي صعد الى السماء ونال الروح من الله الذي جعله الله ربًّا ومسيحًا. قال الربّ لسيدي: اجلس عن يميني حتى أجعل اعداءك موطنًا لقدميك. اذًا، يسوع هو: مقرّ الروح وموطنه الذي منه يفيض في القلوب وعلى كل البشر.وهو أيضًا حقيقة التوراة الأبدي الذي يلغي ممارسات التوراة الموسوية البالية.
ب. البعد المتصل بالآخرة: هذا إن افاضة الروح هي علامة مجيء الأزمنة الأخيرة، التي تنقسم الى مرحلتين: مرحلة أرضية هي حياة يسوع وزمن الكنيسة. ومرحلة سماوية دشّنها يسوع عند ارتفاعه الى السماء من حيث يفيض روحه على كل بشر.
ج. البعد التبشيري: الذي يتجلّى في انتشار الانجيل انتشارًا واسعًا، ويشهد على القوة الديناميكية للروح الذي وعد به يسوع والذي يقود شعب الله الجديد في مسيرته عبر التاريخ.
نستخلص اذًا أنّ المسيح والروح القدس هما معًا وبتناغم تام، أساس كلّ حياة بنوية وكلّ انطلاقة رسولية نحو العالم لمجد الله اللآب.
3- نتائج حلول الروح القدس: هذا الروح المشبّه بالألسنة الناريّة عمل في الرسل مُحوّلاً إيّاهم من ضعفاء الى أقوياء، من جهلاء الى حكماء، وكل هذا بفعل الرح الذي تحدّده الكنيسة لنا بأنه:
- روح الحكمة وهو من حوّل الرسل من صيادي سمك الى حكماء يميّزون ويعرفون الخير والشر.
- روح الفهم وهو من جعل الرسل يفهمون أصول الديانة المسيحية وحقائقها.
- روح المشورة وهو أن يستشير الإنسان ضميره الواعي. ويصل بالنهاية الى مشورة صائبة أي العمل حسب مشيئة الله.
- روح العلم وهو من حوّل الرسل من جهّال الى علماء يحملون بشرى الإنجيل وينقلوها الى أقاصي الأرض.
- روح القوة وهو من حوّل الرسل من ضعفاء الى أقوياء، هو الذي حوّل بطرس من ناكر المسيح وخائف من جارية الى مُبشّر وصارخ ومُعلن بشرى الإنجيل في وجه الحكّام، غير مبال بالسلاسل والقيود.
- روح التعزية وهو من حوّل الرسل الى أناس لا يأبهون المخاطر والصعاب تاركين كل شيء وراءهم منبسطين الى ما هو أماهم متّكلين على تعزية الروح.
- روح التقوى وهو من حوّل الرسل والجماعة الأولى الى أناس يسعون للعمل حسب تقوى الله الآب عاملين بوصاياه.
- روح مخافة الله وهو من حوّل الرسل الى مبشّرين لا يخافون الحكّام ولا الظلاّم، لا الأغلال ولا القيود، لكنهم يخافون الله متجنّبين ما يغيظه.
خلاصة: في كل مرة تفكّر جيداً، وتخطّط بطريقة بنّاءة، وتقول كلاماً مُحباً، إعرف أن الروح القدس حالٌّ فيك.... وإلاّ "سيحلَّ عنك".








