T W T F S S M T W T F S S M T W T F S S M T W T F S S M T W T
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31


أربع أمثولات من قصة "تلميذيّ عماوس" (لوقا فصل 24)

1-  الحضور: هو عنوان حياة يسوع منذ الحبل به جنيناً حتى قيامته ممجداً. ففي عصر نهار أحد القيامة، أخذ يسوع المبادرة ومشى مع التلميذين ليعطي معنى منّوراً لحياتهما، ويوّجه آفاقهما نحو الإيمان والرسالة من جديد. والمسيح إعتاد أن يُعلّم وهو يمشي: "عليّ أن أسير اليوم وغداً (لو 13/33)، وقد أعلمنا وعلّمنا بأنه وحده الطريق (يو 14/6)، ودعانا لأن نمشي ونصعد معه على طريق الآب أبيه وأبينا. وهو، بعد مرافقته للتلميذين، يواصل بدون إنقطاع المسيرة مع كنيسته، ويؤكّد على حضوره الى جانبها: "سيروا ما دام لكم النور، لئلا يدرككم الظلام" (يو 12/35)، "وهاءنذا معكم طوال الأيام الى انقضاء الدهر" (متى 28/20).

إن قوّة حضور يسوع الى جانب التلميذين هو التقرب منهما دون طلب الإستغاثة، في وقت كانا يعيشان لحظات موجعة، بعد أن "تمّ كل شيء في أورشليم" (لو 24/18) وأسدل الستار على مأساة يسوع. أعطاهما الرب الرجاء بعد أن وصلا الى حد اليأس وانهيار الأمل، والانسحاب من فريق التلاميذ والعودة الى قريتهما، وجدّد الحياة فيهما بالسير معهما ليستعيدا الإيمان المفقود ويسترجعا المعرفة الضائعة: "الحياة الأبدية هي أن يعرفوك" (يو 16/3).

2- الشرح: يسوع يأخذ المبادرة ويتدّخل في حديث التلميذين ويسأل عن الكلام الذي كان يدور بينهما، وهما حزينان. فقدّما له عرضاً موجزاً عن المأساة التي يعانون بسببها. فراح يكشف لهما النقاب عن عمق الكتب المقدّسة، ويطلعهما على قصد الله وتدبيره بأن أحداث أورشليم والموت على الصليب والقيامة تحمل الخلاص لكل إنسان. بهذا، أعاد يسوع ربط المعلومات وفق ترتيب إلهي، وأعاد قراءة شك الصليب بالنظر الى آفاق العهد الجديد، هو محورها والمحبة مفتاحها، وبموجبها "كان على المسيح أن يعاني الآلام فيدخل مجده" (24/26). إلاّ أن أعين الرجلين أمسكت عن معرفة الرب، وأغشي عليهما. لكن بعد قراءة جديدة مفصّلة للأحداث، أعاد يوسع إليهما الرجاء المفقود والإيمان الضائع، ثم احتجب عن ناظريهما، فقال أحدهما لرفيقه: "أما كان قلبنا متقّداً في صدرنا حين كان يحدّثنا في الطريق ويشرح لنا الكتب؟" (24/33).

ويقول قداسة البابا يوحنا بولس الثاني شارحاً قصة تلميذي عمّاوس: "إن اختبارهما يمكنه أن يساعدكم لأنه يشبه اختبار كل واحد منكم... إن سرّ موت المسيح وقيامته هو المفتاح الأفضل لفهم الحياة المسيحية..." ودعاهم الى الاتكال على الرب والشوق الى تبدّل القلوب كي تتنقّى ويحلّ فيها السلام، والى بناء جسور جديدة وإرساء مبادرات مصالحة للعبور من الريبة الى الثقة: "هكذا تولد أخوّة جديدة وتوطّد علاقات متينة" مبيّنة على المحبة والسلام. وشدّد عليهم: "لا تنسوا هويتكم المسيحية وأنكم تلاميذ الربّ، ذلك هو فخركم ورجاؤكم ورسالتكم".

3- الوليمة القربانية: إنها العنصر الأخير في اللقاء مع يسوع، والتي مهّد لها بانشراح التلميذين لشروحاته. فألحّا عليه ليمكث معهما (24/30)، ودعياه الى العشاء في بيتهما، اعترافاً بانسانيته الطيبة ورعايته لهما في أحرج لحظاتهما، وتقديراً لنقلهما من حالة الضياع واليأس الى حالة الأمل والتحرّر. فقبل يسوع الدعوة، "وأخذ الخبز وبارك ثم كسره وناولهما وانفتحت أعينهما وعرفاه فغاب عنهما" (24/30).

بعد الإشتراك في تناول جسد المسيح ودمه معه، ترسّخ فيهما استرجاع الوحدة الجماعية مع بقية التلاميذ، واستعادة الوحدة الإيمانية، واستئناف الرسالة التبشيرية. وهكذا تحقّقت أهداف سينودس يسوع لتمليذي عمّاوس، إذ انتقلا من الظلمة الى النور، وتحوّلا من مشاهدين الى شاهدين يحملان البشرى الى العالم ويشهدان لقيامته حتى الإستشهاد.

4-خلاصة: التفتيش عن معنى:

لا يستطيع الإنسان البشريّ أن يعيش في الزمن دون اختبار أو تلمس بعض "المعنى" أو القيمة لوجوده. ويظهر هذا المعنى:

1-    في توجيه حياتنا باتجاه واضح وسليم.

2-    في العمل على كل ما يُفرح الحياة وينعشها في إطار السعادة والطمأنينة.

3-    وفي تأمين الحد الأدنى "للانسجام" مع الذات.

عُرف عن تلميذَي عمّاوس أنهما أدارا ظهرهما لأورشليم وفكّرا بإيجاد "معنى جديد" لحياتهما بعد خيبة الأمل التي أصابتهما بسبب عدم قيامة يسوع، علماً أنهما سمعاه وتبعاه لمدة معيّنة. لكن موته هزّ أملهما الذي كان، أملاً سياسياً طال كل مقومات وجودهما. وعندما يُفقد "المعنى" فمن الطبيعي أن يستسلم الإنسان لليأس والحزن.

Contribute to the national campaign for the restoration of the Basilica of our Lady of Lebanon